تكشفت نتائج الانتخابات النيابية في لبنان عن صورة هشة للنفوذ السوري فيه. انه استنتاج يمكن تعزيزه بوقائع كثيرة لا تقتصر على فشل 8 آذار في الحصول على غالبية نيابية. فشل "حركة أمل" في جزين، ونتائج الانتخابات في جبيل والمتن الشمالي...
المشهد اليوم مختلف تماماً، فسورية عادت فعلاً، وهي عودة غير مقيدة بالظروف التي من المفترض ان تكون قد أرستها قواعد لعبة جديدة. عادت عودة مشابهة لـ"عوداتها" القديمة. فهي اليوم تمتلك نفوذاً متفاوتاً في قلب المجلس النيابي، وطبعاً في الحكومة العتيدة. نجحت في إعادة رسم المشهد على نحو يخدم تجديد نفوذها. الحديث عن كتل نيابية واضحة أمر تجاوزته الوقائع الأخيرة. فنحن اليوم أمام "14 آذار" من دون وليد جنبلاط، بالإضافة الى التباس علاقة ميشال المر ونجيب ميقاتي بهذا التحالف، وأمام "8 آذار" يختلف فيها موقع نبيه بري وسليمان فرنجية وطلال ارسلان عن موقع ميشال عون. وسورية تتحرك في منطقة الالتباسات هذه.
تكتلان نيابيان كبيران لكنهما مشلولا الحركة ومقيدان في خياراتهما، وبينهما وفي قلبهما ثمة تكتل افتراضي، لكنه فعال ومرن وقادر على ان يكون كبيراً وصغيراً تبعاً للحاجة والدور، فمرة سيضم وليد جنبلاط ونبيه بري وسليمان فرنجية وطلال ارسلان والمر وميقاتي، ومرة أخرى سيقتصر وزن هذا التكتل على وئام وهاب.
"14 آذار" الفعلية هي اليوم كتل "المستقبل" و"القوات اللبنانية" و"الكتائب" وقليل من المستقلين، و"8 آذار" الفعلية هي "حزب الله" و"التيار العوني". والمسافة بين وليد جنبلاط وسعد الحريري ستكون مشابهة للمسافة بين نبيه بري وميشال عون. انها المعادلة التي أرستها خطوة جنبلاط الأخيرة.
المؤشرات الأولى لهذه المعادلة غير مطمئنة، فوظيفة كسر الاصطفاف الحاد الذي أدته خطوة جنبلاط تستبطن مضامين سلبية تدفع الى اليأس. فاللبنانيون من كلا طرفي الانقسام غير مختلفين (في الظاهر على الأقل) على سلبية الدور السوري في الحقبة الفائتة. مسؤولون سوريون اعترفوا وإن على نحو خجول ومراوغ بسلبية تلك الحقبة. اليوم، تعيدنا مشاهدة ميشال المر مستقبلاً وئام وهاب ومحتفياً به وكاشفاً عن زيارات سرية سبقت الزيارة الأخيرة، الى صور من ذلك الزمن الذي كنا نعتقد انه انقضى. تصريحات وليد جنبلاط المتواصلة، واغناؤها بعبارات مستعادة من قاموس تلازم المسارين والمصيرين، تؤدي ايضاً هذه الوظيفة.
الأرجح ان الحكمة تقضي بالاستعاضة عن مواجهة الوقائع الجديدة بالسعي الى الحد من الخسائر. لن يتمكن أحد في الوقت الراهن من الحد من اندفاعة جنبلاط، والموقع التقليدي لميشال المر وغيره من المتأرجحين بين الخيارات هو ذلك الذي بدأت تلوح معالمه.
ميشال عون متضرر من الوقائع المستجدة، وإن كان الضرر الذي لحق بـ "المستقبل" أكبر. "القوات اللبنانية" و"الكتائب" ما زالتا في مرحلة تقدير التبعات، و"حزب الله" خاضع لمعادلة العلاقات السورية - الإيرانية.
قدر من البراغماتية يتطلب هدنة مسيحية يدعمها "المستقبل"، فالمرحلة ليست مرحلة مواجهة مشابهة لتلك التي حصلت في أعقاب العام 2005. إنها مرحلة إرساء علاقة مع سورية تستبعد المواجهة لكنها تستبطن قدراً من الحذر والدقة والضبط.
هذه ليست مهمة وليد جنبلاط الذي يُقدم في حساباته لهذه العلاقة الاعتبار الطائفي على أي اعتبار، وهي طبعاً ليست مهمة ميشال المر. المسيحيون (مجتمعون) وإلى جانبهم "المستقبل" أقدر على تمثيل الهواجس اللبنانية في عملية صياغة هذه العلاقة، أما الشيعة فهم في صلبها أصلاً.
