أكد الرئيس الأسبق للجنة التحقيق الدولية بقضية إغتيال الرئيس رفيق الحريري ديتليف ميليس، أنه عندما ترك عمله كان توقيف الضباط الأربعة قانونياً، وفق النظام القانوني المتبع في لبنان وألمانيا وفرنسا، حيث يسمح بالتوقيف الإحتياطي للمشتبه بهم.
وأضاف ميليس في حديث إلى الصحيفة نفسها أن "هذا النظام القانوني مختلف عن ذاك المتبع في الولايات المتحدة الأميركية، حيث يكون التوقيف الإحتياطي مشروطاً بالقدرة على توجيه تهمة للمشتبه به، وتحويله على المحاكمة"، موضحاً أن "القانون اللبناني والألماني والفرنسي يسمح بتوقيف إحتياطي طويل الأمد في قضايا مماثلة، فعلى سبيل المثال جرى توقيف ياسر الشريدي احتياطياً هنا لمدة 11 سنة، إلا أن ما يسمح به القانون لهذه الجهة شرطه أن يُظهر القائم بالتحقيق للمحامين أنه يقوم بعمله بجدية وفاعلية وسرعة ويتقدم به نحو حسم النتيجة".
وأعلن ميليس أنه "عندما غادر مهمته كان يعتقد أن التحقيق قد يحتاج إلى سنة إضافية فقط وينتهي الأمر، فإذا تمكن من الحصول على ما يكفي من أدلة يحيل الملف على المحكمة، وإن لم يتمكن من ذلك يعلن أن الوصول إلى الحقيقة بصورة رسمية غير ممكن"، وقال: "لو كان التحقيق في مساره الصحيح لكان انتهى منذ وقت طويل، فأنت لديك مئة ألف حجر عليك أن تقلبها لتكتمل الصورة، ويمكنك أن تقلبها مرة ثانية، ولكن لا يمكنك أن تمضي الوقت في تقليب هذه الأحجار".
وفي شأن التوصية بتوقيف الضباط الأربعة أشار المحقق الدولي، أن "التوصية لم تصدر عن ديتليف ميليس إنما عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة، وتالياً لو كانت التوصية خاطئة في تقييم من خلفني أو استوفت أهدافها، لكان يجب على اللجنة إصدار توصية معاكسة"، وأضاف أن توصية معاكسة يمكن أن تصدر "على اعتبار أن لجنة التحقيق هي لجنة واحدة بغض النظر عن التغييرات التي تحصل في الأسماء".
وفي هذا السياق كشف الرئيس الأول للجنة التحقيق الدولية المستقلة أن "التوصية التي أصدرها لم تكن مبنية فقط على الإفادات الموقعة من الشاهد زهير محمد الصديق فحسب، بل كانت مستندة أيضاً إلى إفادات أخرى لشهود آخرين"، ويوضح أن "من بين هؤلاء الشهود على سبيل المثال لا الحصر، إفادة "الجنرال.ح"، وإفادة شاهد موثوق به حدّثه عما قاله له العميد مصطفى حمدان حول النية بإرسال الرئيس رفيق الحريري في رحلة".
توقيف الضباط الأربعة كان احتياطياً وأملته المعطيات التي اكتشفها فريقه لدى مداهمة منازل الجنرالات الأربعة، كما قال ميليس، شارحاً ذلك بمثلين أولهما يتصل باللواء جميل السيد "الذي كان يضع في منزله مبلغ خمسين ألف دولار أميركي الى جانب دزينة من جوازات السفر، وثانيهما يتصل بالعميد مصطفى حمدان الذي كان ينوي السفر في اليوم نفسه إلى الولايات المتحدة الأميركية"، سائلاً ماذا بامكانه ان يقول لمن سيلومه، في حال مغادرة الإثنين وإكتشاف رجال الصحافة والمدعي العام إفادات محمد زهير الصديق وغيره من الشهود.
وأكد ميليس أن عدم تقديمه توصية بتوقيف النائب السابق ناصر قنديل كان بسبب أن قنديل "أتى من تلقاء نفسه إلى لبنان من سوريا، عندما جرى استدعاؤه بصفة مشتبه به"، وأضاف: "فجرى الإكتفاء باتخاذ قرار يقضي بمنع سفره واحتجاز جوازه، عملاً بمقتضيات القانون اللبناني، الأمر الذي كان يستحيل فعله مع شخص جهّز كمية كبيرة من المال ودزينة من الباسبورات، وشخص آخر كان يتحضر للسفر إلى الولايات المتحدة الأميركية". وفي هذا الإطار يشير ميليس، إلى أنه لم يوص بإصدار مذكرات توقيف بحق مشتبه بهم مقيمين في سوريا، لأنه لم تكن لديه إشارات الى إمكان أن يغادر هؤلاء سوريا وقال: "على سبيل المثال لم أكن أعتقد أن الرئيس بشار الأسد ينوي ترك سوريا".
وفي شأن اعتماد زهير محمد الصديق شاهداً وقد قيل في هذا الشاهد الكثير الكثير، يشرح ميليس إلى الصحيفة نفسها "أنا شخصياً لم ألتق به ولكن أرسلت له ثلاثة وفود، الوفد الأول برئاسة نائب رئيس المحققين وهو من التابعية الفنلدية، والثاني برئاسة كبير المحققين وهو من التابعية السويدية، والثالث برئاسة نائبي غيرهارد ليمن"، وتابع: "الفنلدي عاد وأكد لي أن إفادته صادقة، وكذلك فعل السويدي، في حين أشار ليمن الألماني الى أن في إفادة الصديق الكثير من الروايات، ولكن أساس الإفادة متين ومصداق".
ميليس قال انه قرأ الإفادات التي تليت على هذا الشاهد ووقعها، "فوجدتها صحيحة وزادت قناعتي بها، عندما اعترف هذا الشخص بأنه كان من عداد المجموعة التي شاركت في جريمة الرابع عشر من شباط 2005"، وأضاف أنه "لاحقاً عندما اتضح أن الصديق كان له دور في ارتكاب الجريمة، أوصيت المدعي العام اللبناني بتوقيفه وطلب استرداده، وأبلغنا الدول المعنية أننا نحتاجه في التحقيق ولم يعد شاهداً لنحميه".
أما بالنسبة إلى الإفادات التي قدمها حسام حسام يقول ميليس: "بعض ما قاله كان دقيقاً لأنه ثبت بأدلة حسية، في حين أن هناك أموراً لم تتثبت"، مشيراً إلى أن "عندما ظهر في مقابلة تلفزيونية، وجهت كتاب مساعدة قضائية إلى السلطات السورية لاستجوبه حول أقواله الجديدة غير الرسمية، لكنني لم أتلق رداً إيجابياً بالتعاون"، وتابع: "فأنا كنت أريد أن أعرف أين قال الحقيقة، هل فعل ذلك حين كان حراً في لبنان أو حين عاد إلى سوريا، وفي حال لم يكن صادقاً في لبنان كنت أريد أن أعرف سبب تقدمه من اللجنة بهذه الإفادات والإطلاع على الجهات التي أرسلته إلينا لنحقق معها، وكذلك عن الطريقة التي عاد بها الى سوريا ومن ساعده في ذلك".
من جهة ثانية نفى المدعي العام الألماني ديتليف ميليس، ما يشاع عن أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة حين كانت برئاسته قد غيّبت كل مسارات التحقيق لمصلحة المسار الإتهامي ضد النظام الأمني اللبناني ـ السوري.
وأكد ميليس في لقاء خاص مع صحيفة "المستقبل" أجاز نشره لاحقاً، أن "اللجنة في بداية التحقيق استهدفت كل المسارات، ولكن لاحقاً تمكنت بالأدلة والشهود أن تحدد الدافع وراء القتل"، مشيراً إلى أنه "بدا واضحاً أن رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري تعرض لتهديدات جدية من النظام السوري وأن هذه التهديدات عادت فتكررت على لسان السيد وليد المعلم في دارة الحريري في قريطم".
وكشف ميليس أنه حين كان في بيروت، "قرأ مقابلة في إحدى الصحف للوزيرة السورية بثينة شعبان تشير فيها إلى أنها تملك معلومات عن إقدام إسرائيل على اغتيال الحريري"، معلناً أنه "سارع إلى توجيه طلب معونة قضائية من السلطات السورية تقضي بالسماح للجنة التحقيق بالإستماع إلى إفادة شعبان لإيداع اللجنة المعلومات التي تملكها عن ضلوع إسرائيل بالجريمة حتى يجري التحقيق فيها"، وأكد أن "السلطات السورية لم تقدم له جواباً عن الطلب الذي وجهه إليها".
وفي هذا السياق أكد ميليس أيضاً أن "اللجنة حققت في احتمال ضلوع الأصولية الإسلامية السنية في اغتيال الحريري، ولكنها بالنتيجة استبعدت هذا الإحتمال بعدما تبيّن لها أن الجهة التي ارتكبت الجريمة أنشأت لمصلحتها مجموعة لتتدثر بها".
وسئل ديتليف ميليس عما يقال عن ملاحقة قضائية تجري بحقه أمام المحاكم الفرنسية فأجاب: بروباغندا، كما سئل السفير السابق جوني عبدو حول الموضوع نفسه فأجاب: ضحك على الذقون!