قبل التوجّه إلى الانتخابات اللبنانيّة بيومين أو ثلاثة، ألقى نائب الأمين العامّ لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم خطبة ناريّة (أخرى) تحدّث فيها عن السلاح والتسلّح بوصفهما قدراً، وقال ما معناه إن حزبه ماضٍ فيهما بغضّ النظر عن اعتراض المعترضين في الداخل أو في الخارج.
أحد المراقبين فاجأه توقيت هذا الخطاب، فبدا له كأنّ "حزب الله" يريد أن يخسر الانتخابات عامداً متعمّداً لأنّه، بهذا التصعيد، لا بدّ أن يُضعف حليفه ميشال عون في الجمهور المسيحيّ الذي لا يستسيغ توجّهات كتلك.
وهذا استخلاص سليم يمكن التوصّل إليه بتسلسل منطقيّ وشيء من المعرفة بلبنان وتاريخ جماعاته. لكنْ ما إن أنهى قاسم خطابه حتّى كان القطب العونيّ الوزير جبران باسيل يلقي خطاباً في مكان آخر، ضمن مهرجان انتخابيّ لمعركته في البترون. وقد ورد في خطاب باسيل المذكور ما يفيد أن الحضارة الغربيّة الناهضة على المادّة والمادّيّ قد تنهار، وأنّها قد تستنجد، طلباً لإنقاذها، بحضارتنا غير المادّيّة الناهضة على القيم والروح وتماسك العائلة.
والحال أن هذا التمييز بين "ماديّة الغرب" و"روحانيّة الشرق" ليس بجديد، ولا هو بحكر على اللبنانيّين. الجديد هو صدور التأويل هذا عن طرف سياسيّ لا يكفّ عن إبداء تعلّقه بالتحديث والحداثة و"الإصلاح والتغيير".
بيد أن "حزب الله" سبق له، في برنامجه الانتخابيّ الأخير، أن أعلن عن "مكافحة الرذيلة" بوصفها بنداً من بنود ذاك البرنامج، الأمر الذي استوقف النائب الثاني لرئيس حزب "الكتائب اللبنانيّة" السيّد سليم الصايغ، فتساءل: "في برنامج حزب الله الانتخابيّ مثلاً طرح موضوع مكافحة الرذيلة، وهنا نريد تفسيراً لهذه النقطة؟ ما هو مفهوم مكافحة الرذيلة ومن يحدّدها؟ هل هو شرب الخمرة أو السهر أو الخروج مع النساء، هل هذه رذيلة؟".
إذاً، وفي معزل عن المحطّة الانتخابيّة ونتائجها، بل أيضاً عن السياسة في معناها اليوميّ والدارج، هناك إشارات إلى تحالف ثقافيّ، إذا جاز التعبير، بين طرفي وثيقة مار مخايل. والعدوّ المباشر لهذا التحالف هو: الحريّة والتقدّم. وهذا إذا ما كان أخطر من السياسة نفسها، فإنّه يستهدف لبنان في أهمّ أسسه ومقوّماته، كما في انفتاحه على العالم، عرباً وغرباً، وفي اقتصاده وازدهاره تالياً.
وفي هذا المعنى، ربّما أريد للتحالف الثقافيّ أن يقصّر المسافات في الجوانب الأخرى. هكذا يصير مأمولاً حمل مسيحيّي عون على قبول رعونة قاسم، في دعوته إلى التسلّح والتسليح، بذريعة القاسم "الأخلاقيّ" المشترك. والحقّ أن العونيّة تملك الكثير من مقدّمات هذا التوجّه الذي عبّرت عنه خطبة باسيل: بدءاً بالزعيم القائد الملهم (مما هو "شرقيّ" جدّاً) وليس انتهاءً بنبرة التشكيك بالمصالح (شتم "العرب" و"النفط" و"الخدمات"، فضلاً عن "الغرب الماديّ" دفعة واحدة) ووضعها كلّها في مقابل القيم والكرامة والشرف.
إن من يقرأ أدبيّات الحركات الفاشيّة لا يقع إلاّ على مثل هذه الترّهات التي سنعيش معها طويلاً بعد الانتخابات، وربّما بغضّ النظر عنها.
