أيا تكن المبررات التي يبحث عنها النائب وليد جنبلاط للخروج من حركة الرابع عشر من آذار، يبقى أن ليس ما يفسّر بشكل منطقي تصرفه العشوائي سوى حال الهلع التي أصابت الرجل بعد السابع من أيار- مايو 2008. وقتذاك إجتاحت جحافل "حزب الله" الإيراني بيروت والجبل وتبين أن ليس لدى أهل بيروت من سلاح يدافعون به عن أنفسهم على الرغم من كل الأكاذيب التي وجدت من يوزعها عن أن هناك ميليشيات تابعة لتيار "المستقبل" في بيروت. تبين أن لا وجود لمثل هذه الميليشيات وأن الهدف الوحيد من الترويج لمثل هذا النوع من الإشاعات هو التمهيد لاحتلال بيروت وتطويبها مدينة تابعة للمحور الإيراني- السوري في أحسن الأحوال وتحت رحمة هذا المحور في كل لحظة...
يفترض في الرابع عشر من آذار أن تضع مسألة "إعادة تموضع" وليد جنبلاط خلفها وأن تنظر إلى المستقبل من زاوية مختلفة بدءا بالتصرف من منطلق أن ما حصل قد حصل وأن وليد جنبلاط لم يكن قادرا على مقاومة الرغبة السورية في الإنفتاح عليه. لكنه كان قادرا في المقابل على مناقشة الشروط السورية المفروضة عليه. كان في استطاعته، في أسوأ الأحوال تفادي الذهاب بعيدا في الرضوخ للشروط، أو على الأصح للإخراج الذي نصتحه به شخصية سورية لديها مونة معينة عليه. بكلام أوضح، لا يحق لوليد جنبلاط ولا لغيره القبول بهذه السهولة لفكرة تحوله غطاء لسلاح "حزب الله"، أي أن يضع نفسه في مستوى النائب ميشال عون أو الوزير السابق وئام وهاب وما شابه ذلك. هل يمكن لسياسي لبناني أن يقبل ذلك لمجرد أن شخصية سورية، كانت مهمة جدا سابقا، تريد استعادة بعض من اعتبار لها في الداخل السوري؟ تستند هذه الشخصية في تحركها على انها لم تتصرف كالآخرين، مثل عبد الحليم خدّام النائب السابق لرئيس الجمهورية تحديدا، عندما تعرضت للإضطهاد والظلم وفضلت السكوت والسكون على الإعلان عن معارضتها العلنية للنظام. كوفئت تلك الشخصية المحترمة بنوع من العفو عنها لا أكثر وبتولي مهمة استرجاع وليد جنبلاط !
من حق وليد جنبلاط السعي إلى المحافظة على حياته. ومن حقه السعي إلى حماية عشيرته، خصوصا أنه يعتبر أن ذلك يمثل واجبا وجد من أجله، كما أنه من شروط زعامته، ولكن ليس من حقه الإنتقال من دور رأس الحربة في التصدي لنظام الوصاية السوري بكل ما يمثله وما مثله طوال ما يزيد على ثلاثين عاما، ولحزب مذهبي مسلح لا هدف له سوى تكريس لبنان مستعمرة إيرانية... إلى غطاء لإلغاء النتائج السياسية للإنتصار الذي تحقق في السابع من حزيران- يونيو 2009.
يتبين الآن أن وليد جنبلاط ساهم بكل ما يستطيع من أجل ألا يقطف اللبنانيون نتائج الإنتصار الذي سجلوه في الإنتخابات النيابية الأخيرة. ليس صحيحا أن الإنتصار لم يكن مبنيا على برنامج سياسي واضح ومحدد كما ادعى جنبلاط لدى سعيه إلى تبرير انتقاله إلى معسكر آخر. الصحيح أن اللبنانيين خاضوا الإنتخابات إستنادًا إلى برنامج سياسي عنوانه رفض سلاح "حزب الله" الإيراني أولاً والتصدي لأي عودة لنظام الوصاية السوري ثانيًا وأخيرًا. تصدى اللبنانيون لهجمة المال "الطاهر" والسلاح الإيراني- السوري وانتصروا. وليد جنبلاط نفسه فاز في الإنتخابات بفضل البرنامج السياسي للرابع عشر من آذار. تدل النتائج التفصيلية للإنتخابات أن الدروز بأكثريتهم الساحقة صوتوا لمرشحي الرابع عشر من آذار نظرًا إلى أن أبناء هذه الطائفة الكريمة، التي تفتخر بقيمها، إستقلاليون أولاً وأخيرًا ويعطون شهادات في الوطنية وليسوا في حاجة إلى السوري أو الإيراني للحصول على مثل هذه الشهادات.
يفترض في الرابع عشر من آذار أن تتصرف من منطلق أن وليد جنبلاط صار في مكان آخر لم تتحدد طبيعته بعد. حبذا لو كان فعلا عند رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان. مثل هذا التموضع كان سيوفر خدمة كبيرة للبلد وسيسهل عملية تشكيل الحكومة التي سترى النور عاجلا أم آجلا. مثل هذا التصرف الطبيعي للرابع عشر من آذار سيجعل كل الأطراف فيها، بما في ذلك تيار "المستقبل"، يفكرون جديًا بأن المعطيات على الأرض تغيرت. وهذا يعني في طبيعة الحال أمرين لا ثالث لهما. الأمر الأول أن ما فعله وليد جنبلاط هو بمثابة إجهاض لانتصار السابع من حزيران 2009. أما الأمر الآخر والأخير فيُختصر بأن ثمة حاجة إلى إعادة نظر في العمق في كيفية تشكيل الحكومة.
تبقى نقطة أخيرة، من الأفضل أن لا تغيب عن بال اللبنانيين بمن فيهم وليد جنبلاط نفسه. هذه النقطة هي أن ليس صحيحا أن هناك تهافتًا أميركيًا وأوروبيًا على النظام السوري. هناك أسلوب مختلف في التعاطي مع النظام السوري. لو تغيّر شيء أساسي أميركيًا تجاه سوريا، لما كان الرئيس باراك أوباما جدد العقوبات المفروضة على شخصيات معينة تشكل العمود الفقري للنظام. لا بدّ من التفكير في هذه العقوبات وأبعادها طويلا قبل الإقدام على أية خطوة من نوع تلك التي أقدم عليها النائب وليد جنبلاط ... الذي غادر الرابع عشر من آذار إلى مكان آخر ناسيًا أن لا مكان آخر تذهب إليه الطوائف اللبنانية، صغيرة كانت أم كبيرة، غير لبنان!
