أغلق اطبع
شلل "الإيمو"
صهيب أيوب

يدخل" زاك" - وهذا لقب زكريا بين اصدقائه - مبنى "السيتي كومبلكس" (أكبر صرح تجاري وثقافي في مدينة طرابلس الشمالية، وهو يشبه، على تواضع، "السيتي مول" البيروتي)، بتباهٍ وتكبّر وثقة مصطنعة بالنفس. يلتقي برهط من الأصدقاء، أكثرهم من حديثي المعرفة به. يلقي عليهم تحية باردة ويسألهم بلغة الإشارات إذا ما كان أحد المخبرين يتجول في المكان. يؤكد له أسامة الملقب بـ"سام"، وهو من محلة الزاهرية بالمدينة، ان الشخص الذي يرتدي سترة حمراء ويتجول في المركز التجاري، هو المخبر اليوم. يأمرهم زكريا (أو "زاك") ان يتفرقوا، فيحاول كل واحد منهم ان يتوارى عن الأنظار، بعد أن جرى القبض على بعض من الشلة بتهمة الإتجار بالمخدرات وتعاطيها، وذلك قبل أشهر، ولا يزال اثنان منهم حتى الآن قابعين في سجن القبة المشهور .

"العيون اصبحت مفتوحة علينا"، يقول زكريا الذي دخل الإصلاحية لأول مرة عندما كان في العاشرة بعدما غرز سكيناً في بطن أحد أترابه في حارته، الزاهرية، لتتكرر بعد ذلك الشجارات بينه وبين كثيرين. آخر زيارته ذلك السجن كانت منذ أشهر، بعد اتهامه بتعاطي اصناف مخدرة، وكان هو أول أفراد الشلّة في دخول السجن، وسبباً غير مباشر "لتفتيح" العيون على كل من يمشي معه. "زاك" اليوم "زعيم البوطة"، أي الشلّة، وعندما تحادثه تشعر انك امام رجل لديه خبرته وحنكته في الامور، رغم ان عمره لم يتجاوز الثامنة عشرة بعد. والعصبة التي تتحلق حوله امست من اكثر الفرق الشبابية اثارة للجدال في طرابلس، فذاع صيتها وبات الاهل في المدينة يخافون على أبنائهم من مصادقة أفرادها لهم .

 

يُلقب أفراد الشلّة بعدة أوصاف وتسميات. فبعضهم يطلق عليهم لقب "شباب الواكس"، تيمناً بظاهرة تصفيف الشعر على طريقة "الواكس"، فتتدلى خصلات شعرهم وتصفف مستقيمة وتنعّم "لِيس" وتنفش بعد ذلك حسب القصة التي يرغبها صاحبها. كلهم إجمالاً يصففون شعر رؤوسهم بهذه التقنية. البعض الآخر يسميهم "شباب الورشات".

و"الورشة" مصطلح يشير إلى  الممارسة الجنسية مع شاب مَثلي لإمتاعه، باعتبار ذلك مثابة "ورشة عمل" يقبض العامل أجره عند الانتهاء من تلبية رغبة المريد.

والمصطلح متداول بين البعض من شباب طرابلس. ويطلق عليهم أيضاً لقب شباب الـ"emo" بوصفهم متمردين على واقعهم ورافضين تصرفات المحيطين بهم من الأهل أو الأصدقاء العاديين، ومن الأساتذة وأرباب العمل في كثير من الأحيان. أما هم فأطلقوا على أنفسهم منذ سنتين تقريباً لقب شباب "transe Tripoli"، ويؤدون نوعاً من الرقص بتحريك اليدين والقدمين بطريقة منسجمة مع موسيقى" الترانس" الشائعة بين الشباب. وهم الوحيدون بين شبان طرابلس الذين يؤدون هذا النوع من الرقص على شكل فرقة منظمة، مشكلين حالة خاصة بدأت بالظهور منذ سنتين في المجتمع الطرابلسي الذي يشبه الكثير من المجتمعات بجدته وهشاشته، والذي تأتي اليه أنواع الموضة من خارجه. مع العلم ان سلوك الشبان عموماً في طرابلس يختلف من بيئة إلى أخرى ومن شريحة إلى أخرى.

 

الشباب المحافظ في المدينة، الملتزم والمنضوي ضمن مجموعات دينية عفوية أو منظمة، كان سابقاً من شباب الحارات والزواريب في أسواق طرابلس القديمة في باب الرمل وحارة قبر الزيني ومحرّم وباب التبانة وشوارعها من "الحارة الزعبية" (تعود تسميتها إلى آل الزعبي) المشهورة بزهد رجالها وتصوفهم، و"الحارة البرّانية" على جسر نهر أبوعلي، وحارات القبة في شوارع ابن سينا الذي تقع في آخره مدرسة "الرسالة الإسلامية" التابعة لـ"حركة التوحيد الإسلامي" وغيرها الكثير من الحارات التي تقطنها عائلات فقيرة ومتوسطة الحال من أصول عكارية وضناوية (نسبة إلى منطقة الضنية) او من عائلات طرابلس القديمة.

وهذه الفئة من الفتيان والشباب الملتزمين، منهم من كان من فتيان الشوارع أي أبناء ثقافة الشارع، وأصحاب سوابق في "العربدة والمجون" قبل أن يترددوا إلى المساجد ويكتسبوا ثقافة مسجدية شعبية ويلتزموا بما فهموه من مشايخ تلك الأحياء، فتعرفوا إلى منطق بات يعرف بـ"الالتزام الديني العامي" غير القائم على ثقافة تدريس دينية شرعية (أزهرية أو مكية أو نتاج معاهد شرعية).

ويمكننا اليوم التمييز بين ثلاثة نماذج من الشبان في طرابلس. الأول يمكن تسميته بالمتفلت والثائر على تقاليد بيئته المحلية وثوابتها. والثاني الملتزم دينياً والمتعصّب بشكل يثير التساؤلات ويسيء في بعض الأحيان إلى سمعة المدينة وإلى واقعها المشهور بالتنوع والانفتاح. أما النوع الثالث والذي لا يمكن تجاهله اصلاً، فهو الشاب الطرابلسي الذي يعيش بطريقة لا تمت إلى التطرف، لا الديني ولا السلوكي، بصلة. لكن هذا النوع ينطوي افراده على أنفسهم، بعكس التيارين السابقين اللذين يتصفان بالحيوية والنشاط في محيطهما لكسب أكبر عدد ممكن من الأتباع. وهذان التياران يتعاكسان ويتناقضان ويتقاطعان أحياناً، وتكاد التداعيات التي أنتجتهما تكون نفسها، وكذلك نتائجها. فالذهنية التربوية، إن على صعيد التربية المنزلية المتزمتة في أساليبها، أو على صعيد التربية المدرسية التي غالباً ما تكون في البيئات الشعبية والمتوسطة التقليدية وغير الميسورة في مدارس دينية إسلامية تابعة لمؤسسات تمويلها خليجي وسعودي بالتحديد، تخرج شباناً  "إسلاميين" ينتمون إلى جماعة "الإخوان" والجمعيات السلفية، بعد طفرة التدين الهائلة التي ترقى إلى أوائل ثمانينات القرن الماضي. أما المدارس الإرسالية التابعة لرهبنة أو أديرة أو بعثات علمانية، فتنتج شباناً يتجه بعضهم إلى سلوكيات وموضات محدثة، مثل "الإيمو" التي أصبحت منتشرة بين أولاد لا تتجاوز أعمارهم الحادية عشرة. أما البيئة الطبقية التي يأتي منها جماعة "الإيمو" فليست واحدة، إذ نجد بينهم من أبناء الطبقة الفقيرة ومن أبناء الطبقة المخملية التي قد نجد فيها ممولي جمعيات دينية ومساهمين فيها.



كنموذج لمراهقي شلل "الإيمو" في طرابلس، ننقل هنا مقتطفات من سيرة فتى واعترافاته التي رواها لنا.

"تربيتُ في بيئة منزلية محافظة ومتشددة. توفي والدي منذ صغري ولم أعرف معنى الأبوة يوماً وتولت والدتي تربيتنا. أعيش مع أخوتي الأربعة في منزل داخل حارة خان العسكر الذي كان مخصصاً لجنود الجيش الفرنسي وأحصنتهم وعتادهم في زمن الانتداب. بعد قدوم الفلسطينيين إلى لبنان استوطنوه لفترة قبل ان يتم نقلهم إلى مخيم البداوي. وحيّنا المسلم هو الأكثر فقراً في حارة الزاهرية. المكان أشبه بالإسطبل تعيش فيه أكثر من 30 عائلة في ظروف معيشية مزرية ومقرفة. تتجاور الأبنية السكنية وتتداخل، فيسهل على الجيران أن يعرفوا عن بعضهم كل شيء، لقرب المسافة والتصاق الأبنية التي تشبه علب الكبريت لضيقها، وأكثرها متهرئة ولا تصلح للسكن بسبب هشاشتها وتهالكها. معظم من يسكن في الخان عائلات فقيرة ومسحوقة وذات أصول غير معروفة او محددة، لاسيما من البدو أو "النوَر" كما يعرفون، وأسر هاربة من وجه القانون وذات سوابق وملاحقات... وكل من اعرفهم في البيئة المحلية التي نشأت فيها هم من مهربي الحشيش او أبناء سجون .أما ما يغلب في طبائع هؤلاء فهو التدين والتشدد، إن من جهة عدم اختلاط الذكور بالإناث، أو من جهة التمسك بتقاليد دينية والإذعان لما يقوله ويطلبه مشايخ الأحياء وبدع شعبية اقلها الإيمان بالشعوذة".



"تعرفتُ منذ صغري إلى أولاد الحارة داخل الخان، فكنا نخرج للعب في حارات الزاهرية وباب التبانة، ونتعرف إلى عدد كبير من الزمر أو ما يسمونهم بأولاد الشارع. لم يكن أحد يسأل عني طوال النهار، فأعود إلى المنزل عند العاشرة ليلاً، بعد أن نكون قد قمنا بـ"السبعة وذمتها" ولم يكن أحد يسألنا عما نفعله. تعلمت شمّ "التربانتين" في العاشرة في التبانة مع عدد من شغيلة محلات قطع السيارات والخردوات. كنا نقوم بسرقة قطع السيارات وبيعها ونشتري علب التبغ الذي كنا ندخنه في الأزقة بعيداً عن أعين الكبار. لم نكن نذهب إلى المدرسة، وكل يوم نخطط للذهاب إلى مدارس الفتيات في التل فنقوم بـ"التلطيش" عليهن (معاكستهنّ). لم نكن نرى فتيات حارتنا كثيراً إذ كانت الأمهات يمنعنهن من الاختلاط بنا. دخلت الإصلاحية أول مرة عندما كنت في العاشرة، بعد أن طعنت ولداً تعرض لي في الزاهرية، وخرجت بعد فترة وجيزة، ومنذ ذلك الوقت تركت المدرسة وقررت الالتحاق كسائر أولاد بيئتي بركب العمل والكدح في سبيل الحصول على مصروف لم يكن يلبي حاجاتنا. أرشدتني والدتي التي تعمل خياطة ثياب نسائية، للعمل عند زوج احدى زبائنها في محل "فرط" سيارات .الرجل كان ملتحياً ويجبرني على اداء الفروض الدينية. كنت أخبره أنني ذاهب إلى اداء الصلاة، ولكني كنت ألتقي برفاق لي من "شغيلة" محال الميكانيك المجاورة و"نصيع في الأزقة ". وأكثر تلك الأوقات كنا نقضيها بافتعال المشاجرات. وفي الليل نسهر على كورنيش الميناء نحتسي عبوات رخيصة من البيرة والخمرة، فذاع صيتنا بين أبناء المنطقة وسمّينا بأولاد "الزعرنة". لم أكن أعرف ما معنى ان تكون "أزعر"؟! إلا أن الكلمة لا تزال "تخبط" في أذني حتى الآن بين الناس وتصعقني من داخلي وكأنني منبوذ.

"بقيتُ أعمل عند الرجل لمدة سنتين، واتهمني مرة بالسرقة من أجل أن يتخذها حجة لطردي بعد أن ذاع صيتي. من حينها كرهت الرجال المتزمتين دينيًا والملتحين ولا أزال اعتبرهم من "النصابين". زادت مشكلاتي مع أولاد الجوار ورحت أحمل معي "موسى" لحماية نفسي من ترصدهم لي عند عودتي من العمل، لأن الأزقة ضيقة ومحشورة. وفي إحدى المرات تعرض لي أحدهم وشتم أختي، فأخرجت الموسى وطعنته به، فكان ذلك سببا لدخولي الإصلاحية مرة ثانية. ومن حينها تكررت زياراتي إلى السجن لأسباب كثيرة منها السرقة، بعد أن قبض على بعضنا في سرقة قطع سيارة مرسيدس".
                                                             



"لم أكن أستطيع الاستمرار في يومي طبيعياً إن لم أشبع رغبتي في تعاطي وشم "التربانتين". أحد رفاق الشلة صار يبتاع لنا أنواعاً من المخدرات على حسابه. لم يكن لدي المال الكافي لشراء أنواع مخدرة، فكنت أشتري من أحدهم حبوباً من البنزكسول وأتعاطاها. أعترف أن الدافع الحقيقي للتعاطي كان رغبة دفينة للخروج من حالة العذاب التي كنت أعيشها ولا أزال حتى الآن أشعر بتفاصيلها. فالمجتمع لا يرحم والقدر أيضاً. لو كان لي أب من أصحاب الأموال لما وصلت إلى ما أنا عليه الآن، ولما شعرت بهذه القسوة والظلم. لو كان هناك من يعيل والدتي لكانت اهتمت ولو قليلاً بي وبأخوتي وسألتني عما أفعله وأقوم به، ولمنعت الضياع من التسلل  إلى قلبي. في بعض الأحيان كنت أفكر في الانتحار، ولم أفلح في التنفيذ. استمريت في التعاطي، ليُقبض علّي مع شلة من الشباب ونرمى في الاصلاحية. تكرر الأمر مرات عدة، مما وولّد لدى الناس والمحيطين بي نفوراً مني وكرها لي. غير انهم هم انفسهم عاطلون وأسوأ مني ولا يعترفون بذلك. وبما أن المجتمع يحب تضخيم الأمور والمبالغة بها، أصبحتُ على كل شفة ولسان، ولم أسلم من أحاديث الأقارب والجيران، وأصبحت في حارتي منبوذاً كالكلب المسعور".



"كرهتُ حياتي ونفسي والمكان الذي أعيش فيه. حاولت ترك المنزل مرات. في هذه الأثناء تعرفت إلى أحد بائعي القهوة والمرطبات في سيارة "فان" يركنها في آخر شاطئ الميناء بالقرب من "الملعب الأولمبي" الذي يشغله عدد من جنود الجيش اللبناني. كان يسمى "العمدة" وهو لقب شائع لمروجي مهنة البغاء المَثلي في طرابلس. عرفني إلى عدد من الشبان المثليين وكان يطلب مني الانفراد بهم بهدف أن يدفعوا لي. كنت أقبض نصف ثمن "الورشة" والنصف الآخر كان من نصيب العمدة. اعتدت هذا الأمر لأنه مربح وغير مكلف. أصبح "العمدة" يصطحبني معه إلى سهراته في بعض نوادي السهر التي يتردد عليها المَثليون في بيروت، وتعرفت هناك إلى حياة جديدة وأشخاص جدد راحوا يفهمون شغفي في أن اكون حراً. وزادت لدي الرغبة في التعاطي وتعرفت إلى "الإكستيسي" أو ما يعرف بـ"حبوب الهلوسة".



"في الحي مُنعنا من الاختلاط بالفتيات، وهذا ما جعلنا حالمين بمعرفة هذا العالم الانثوي الغريب عنا، فكنا نتمناه ونجهله في الوقت عينه. كنا نحاول اكتشاف الجنس، نحن الذكور، مع بعضنا  البعض، مقلدين الاشخاص في الأفلام الإباحية التي نشاهدها في بعض صالات السينما في ساحة التل، سينما "الليدو" والحمرا" حيث كنا ندخل لمشاهدة فيلم "بورنو" وندفع خمسة آلاف ليرة ونقوم بمداعبة بعضنا البعض داخل صالة العرض. الأمر لم يكن صعباً عليّ تقبله، فلقد اعتدت مداعبة الصغار في الحي دون مقابل، ولم ارفض بالتالي مداعبة المثليين الكبار إن دفعوا لي وجعلوني مرتاحا. اعتدت ذلك وأصبحت ألتقط الزبائن في النوادي التي كنت أتردد إليها مع "العمدة" وأصاحب المثليين. بعضهم راح يشتري لي ثياباً جديدة على "اللوك" الحديث، وبعضهم تكفل بشراء جهاز خليوي وبتكاليف "تشريجه"، وبعضهم يقدم لي شهرياً مالاً كمصروف، وها أنا أعيش على حسابهم واقدم لهم ما يريدون من دون أن أعمل وأتعذب.



"في بيروت بدلت "ستايل" ملابسي، فأصبح الناس في محيطي الطرابلسي ينبذونني أكثر. اختلطت بشبان "الإيمو" في بيروت بعدما تعرفت اليهم في "السيتي مول" ورحت أقلد لباسهم وتصفيفة شعرهم، ونقلت كل ذلك إلى طرابلس فكنت من الأوائل الذين درّجوا "الإيمو" هنا. كنت محط سخرية الناس وتعجبهم (حتى سنوات قليلة خلت) فكانوا يحتقرونني إلا أن الأمر ازداد تعقيداً وأصبحت أبالغ أكثر فأكثر في إظهار بعض الغرابة في مظهري، وبالتالي زاد اهتمام الناس بي وأصبحت فجأة مشهوراً في طرابلس، والبعض راح يوجه أصبعه إليّ كلما شاهدني قائلاً "جاء الإيمو"! الأمر يسعدني حقاً إذ أعتبره شيئاً خاصًا قمت بترويجه في طرابلس وأستحق عليه الثناء".



"ترددتُ ولا أزال إلى "السيتي كومبلكس". كنت أجلس مع عدد من الأصدقاء ونتحدث في كثير من الأمور، حيث كونت العديد من الصداقات مع شبان أصبحوا من أعضاء "شلّتي". ولطالما كنا نتردد إلى احد المقاهي المعروفة في شارع الكزدورة (شارع رياض الصلح على طريق الميناء). قامت الشرطة بإغلاق المقهى لفترة لأننا كنا نجلس فيه ونقوم بالرقص على أنغام موسيقى "الترانس"، مما يعرضنا للسخرية، إلا أننا لا نعطي الأمر أهمية ونزداد إصراراً على ما نحن عليه، وذلك في الطابق الأرضي من مبنى "السيتي" المؤلف من 3 طبقات. البعض يمتعض منا ومن لباسنا وشعرنا الذي يتماشى مع موضة العصر، فنلبس ثياباً سوداء قاتمة أو ذات الوان غريبة ومحيرة. مجتمعنا لا يعجبه العَجب وهذه كبرى مصائبنا، وأنا أعتبر طرابلس مدينة "الكبت الاجتماعي" الذي تفرضه علينا تقاليدها وجماعاتها من المحافظين والملتزمين. الكل يديننا لأننا نفعل عكس ما يريدون، ونلبس عكس ما يلبسون، ونرقص بطريقة يعتبرونها مقززة . الكل في طرابلس ينظر إلينا وكأننا منحرفون. بعد أن تم القبض علي منذ أشهر بتهمة تعاطي انواع من المخدرات، صار شغل رجال الأمن الشاغل القيام بتحرياتهم عن كل من كان يمشي معي أو يرافقني. كثيرون منهم لا يزالون مراهقين صغاراً ويعتبروننا مثالاً لتحررهم من قيود ونمطية اهلهم وكبتهم، وقد جرى القبض على عدد لا بأس به منهم بسببي. بعضهم جرّب التعاطي ولم يكرره، إلا أن رجال الأمن يتربصون بهم. وأهالي هؤلاء ما زالوا يمارسون ضغوطاً عليهم ليبتعدوا عني. أعتقد أنني قد مللت من طرابلس وأجوائها المتعبة. قررت أن أرحل إلى بيروت وأستقر فيها حيث أقوم بدراسة تصفيف الشعر النسائي في أحد معاهد التجميل، وأعمل في واحد منها لأنني أرغب حقاً في الاستقرار والعيش بعيدا عن المضايقات التي تعرضت لها في طرابلس من كلام ومبالغات، لأكتشف حياة أستحقها غير الإذلال اليومي الذي أعيشه وأمثالي من الشبان الذين يرغبون في نمط جديد من العيش.